من الشاشات إلى قاعة التداول: كيف يوجّه الترند قرارات المستثمرين في سوق الأسهم؟

في عالم تتغير فيه الأولويات بوتيرة متسارعة، خرج "الترند" — وهو مصطلح أقره مجمع اللغة العربية في القاهرة — من فضاء الشبكات الاجتماعية ليصبح عاملًا ملموسًا في قاعات التداول. فمجرد تصدّر شركة ما للنقاش العام، ولو لفترة وجيزة، يكفي لدفع السيولة نحو سهمها حتى لو لم يتغير شيء جوهري في أساسياتها.
تشير دراسة أميركية إلى أن 200 مشاركًا في سوق الأسهم أتيح لهم الاطلاع على 17 معلومة إيجابية عن شركة "أ" و34 معلومة إيجابية عن شركة "ب"، شملت نتائج الأعمال وتوزيعات الأرباح ومضاعف الربحية والتوقعات المستقبلية. ورغم أن الشركة "أ" كانت تملك معطيات أفضل من "ب" — مع طابع إيجابي عام للشركتين — اختار 78% من المتداولين الشركة "ب" فقط لأن كمية المعلومات عنها أكبر.
النتيجة: الترند يصنع تفضيلات المتعاملين ويُعلي أسهم الشركات الأكثر حضورًا إعلاميًا، لا بالضرورة الأفضل أداءً. يتجلى ذلك في أسهم شركات التكنولوجيا؛ فمجرد كثافة الحديث حول "ميتا" يغيّر وجهة التداول. في أيام الهدوء يتخطى حجم التعامل قليلًا 10 ملايين سهم، لكنه يقفز إلى نحو 40 مليون سهم في المتوسط خلال مواسم النتائج الفصلية.
ومع إعلانات لافتة — مثل ثبات معدل المستخدمين — بلغ المعدل اليومي نحو 80 مليون سهم. وبصورة عامة، بلغ متوسط التداول قليلًا فوق 20 مليون سهم من أصل عدد أسهم متداولة يزيد قليلًا على 2.5 مليار سهم، وفق تقديرات نوفمبر 2023. وحتى عندما مثُل مؤسس الشركة مارك زوكربرج أمام الكونجرس الأميركي في جلسات حول الذكاء الاصطناعي ومخاطره على البشر — من دون أن تمس جدول أعمال الشركة مباشرة — تخطى التداول 40 مليون سهم.
الخلاصة أن البروز الإعلامي بحد ذاته يكفي لرفع الأحجام. وتجعل كثافة الأخبار شركات التكنولوجيا في قلب الترند على الدوام، ما يدفع نسب تداولها المتقلبة في الولايات المتحدة إلى مستويات تزيد 80–120% على المتوسط العام لتداول الأسهم، وسط تعدد رهانات المضاربة على حساب الاستثمار طويل الأجل.
ومن زاوية أخرى، تبرز ظاهرة "مستثمر الظل" — وهو من يقلّد تحركات كبار المستثمرين والمحللين — بوصفها رافعة إضافية لتقلبات الترند. فأسهم "شيفرون" ارتفعت في غضون شهرين بنحو 10% مع إقدام عدد من المستثمرين الكبار، وفي مقدمتهم وارين بافيت، على الشراء، قبل أن تتراجع بقوة في الشهر اللاحق لتنهي الأشهر الستة الماضية على هبوط يتجاوز 8%.
تكشف التجربة أن كثيرين دخلوا السهم مدفوعين بالترند الصاعد والزخم الكلامي المحيط به، ثم خرجوا مع ترجيح أن الاستثمار طويل المدى أو مع تنامي المخاوف من تعثرات الإنتاج النفطي في الولايات المتحدة وتراجع أسهم عديدة في قطاع الطاقة بفعل اضطرابات توليد الطاقة من الرياح.
وزاد من الضغوط هبوط إيرادات الشركة في الربع الثالث من 2023 بشكل كبير، ما دفع سهمها للتراجع 5% في يوم واحد خلال أكتوبر مع خيبة التوقعات. ويأتي ذلك رغم أن "شيفرون" من الشركات التي تتمتع بقدر من الاستقرار بفضل امتلاك مستثمرين كبار لنحو 65% من أسهمها، وهو ما يبقي تحركات السعر ضمن نطاقات ضيقة عادة — باستثناء موجة الترند التي برزت قبل أشهر.
المحصلة أن دورة الاهتمام الإعلامي قادرة على تحريك الأسعار والأحجام حتى في غياب تغييرات جوهرية، ما يستدعي من المتعاملين التمييز بين الضجيج والإشارات الأساسية قبل اتخاذ قراراتهم.
