كيف تتفوق على سلوك القطيع؟ دروس من مستثمرين فرديين في أسواق 2025-2026

في زمن تتسارع فيه موجات المضاربة خلف أسهم الذكاء الاصطناعي، يبرز نهج مختلف: الابتعاد عن القطيع والبحث في «الكواليس». الفكرة القديمة التي صاغها المتنبي عن تحوّل «دم الغزال» إلى «مسك» تجد صداها في الأسواق اليوم؛ المادة واحدة، لكن التميّز يأتي من التحوّل النوعي والاختيارات الذكية.
تؤكد معضلة المستثمر الفرد ما تشير إليه بيانات حديثة: دراسة صادرة مطلع عام 2026 عن «جي.بي. مورغان جلوبال ريسيرش» خلصت إلى أن 70-80% من المستثمرين الأفراد يقعون في فخ شراء القمم والبيع عند القيعان تحت ضغط الخوف. غير أن بعض الأفراد حققوا نتائج لافتة عبر استثمار مرن يبتعد عن الزخم، مستفيدين من حرية الحركة مقارنة بالصناديق الضخمة المثقلة بقيود تنظيمية وبطء في القرار.
من بين هؤلاء مستثمر بريطاني يُشار إليه باسم «ديفيد إل»، سجل عائداً بلغ 142%. بدلاً من ملاحقة أسهم «إنفيديا» عند مستويات متضخمة، اتجه إلى «العمق» عبر شركات تبريد مراكز البيانات وشركات المفاعلات النووية المصغرة. هذا النمط يُعرف في أدبيات الاستثمار بـ«استثمار المعاول والمجارف»؛ الربح ممن يزوّدون الصناعة بأدواتها.
ومع انتقال مراكز البيانات عام 2025 إلى التبريد السائل لمجاراة معالجات تستهلك طاقة هائلة، وجّه ديفيد رهانه مبكراً إلى هذا المسار. كما عزّز مكاسبه عبر الاستثمار في شركات المفاعلات النووية المصغرة، بعدما بدأت شركات مثل «مايكروسوفت» و«جوجل» التعاقد فعلياً على هذه التقنية لتأمين طاقة مستقلة لمراكز بياناتها بعيداً عن ضغط الشبكات القومية، ما دفع أسهم تلك الشركات للصعود بقوة في نهاية 2025 وبداية 2026.
في المقابل، حافظ مؤشر ناسداك التكنولوجي على صعود محدود نسبته 1% فقط خلال ستة أشهر بين 10 أكتوبر 2025 و10 أبريل 2026، وهي نسبة مقاربة لارتفاع «إنفيديا» في الفترة نفسها، فيما كان «ديفيد» يحقق أرباحاً من العمل «خلف كواليس» المؤشر. تجربة أخرى لا تقل لفتاً هي لمستثمرة سنغافورية تُعرف في تقارير عدة بـ«القناصة الآسيوية»، فضّلت الأسواق الواقعة خارج بؤرة الاهتمام التقليدي.
ففي الوقت الذي جذبت فيه السوق الأميركية السيولة العالمية، اتجهت إلى قطاع التعدين في إندونيسيا، تحديداً النيكل والكوبالت اللذين شهدا طفرة خلال العام الأخير مع توسع صناعة بطاريات السيارات الكهربائية وحلول تخزين الطاقة المنزلية. كما توسعت في شركات التكنولوجيا المالية في نيجيريا وكينيا، مستفيدة من فجوة الشمول المالي عبر منصات تحويل أموال تخدم ملايين الشباب خارج تعقيدات البنوك التقليدية، لتحقق نمواً نسبته 210% وفق ما أوردته تلك التقارير.
القاسم المشترك بين التجربتين هو قراءة «كواليس الأزمات»: الأولى استغلت أزمة الطاقة العالمية لإعادة إحياء رهان نووي، والثانية حوّلت فجوة التمويل في الأسواق الناشئة إلى مصدر عائد. وقد بدأت صناديق استثمارية كبيرة بالفعل في محاكاة هذه الاستراتيجيات، مع انتقال سيولة من قطاع التكنولوجيا الاستهلاكية إلى الصناعات التحويلية والطاقة.
وبالنسبة إلى المستثمرين الذين يدخلون مبكراً على هذا المسار، تظل فرص المكاسب الاستثنائية قائمة ضمن هذه التحولات.
