دعوة لإلغاء قانون المقاطعة لعام 1955 تعيد الجدل في لبنان وسط محادثات مباشرة مع إسرائيل
في تطور يعيد رسم ملامح العلاقة اللبنانية ـ الإسرائيلية، عاد قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955 إلى واجهة النقاش في بيروت مع انخراط لبنان وإسرائيل في محادثات مباشرة برعاية أمريكية، في خطوة تُعد الأولى من نوعها منذ عقود، بحسب المونيتور. وبعد الجولة الأخيرة من المفاوضات في 23 أبريل، دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إلغاء القانون الذي يجرّم أي تواصل مع الإسرائيليين، قائلاً: "هذا شيء يجب أن نضع له حدًا.
لم أسمع به من قبل". وأضاف: "أنا متأكد تمامًا من أن ذلك سينتهي بسرعة كبيرة. سأتأكد من ذلك"، موجّهًا حديثه إلى وزير الخارجية ماركو روبيو لقيادة هذا المسار. يعود القانون إلى يونيو 1955 حين تبنّى لبنان تشريعًا متماشيًا مع قرارات جامعة الدول العربية بعد حرب 1948، يفرض قيودًا على العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل.
وتنص مادته الأولى على حظر أي اتفاق أو تعامل "مالي أو ثقافي أو فكري أو أي نوع آخر" مع الكيانات أو الأفراد الإسرائيليين، كما يمنع دخول البضائع الإسرائيلية إلى الأراضي اللبنانية عبر التجارة أو المقايضة. وتتراوح العقوبات بين ثلاث وعشر سنوات من الأشغال الشاقة، تُضاف إليها غرامات مالية تعد رمزية قياسًا إلى القيمة الحالية للعملة اللبنانية؛ ما يعكس طابعًا رمزيًا أكثر منه اقتصاديًا للعقوبات.
ويتولى مكتب مقاطعة إسرائيل، الذي أُنشئ عام 1963 ويتبع وزارة الاقتصاد، تنفيذ القانون ضمن منظومة أوسع تشمل مواد في قانون العقوبات تجرّم "الاتصال بدولة معادية" — توصيف ينطبق غالبًا على إسرائيل — وقد تصل في بعض الحالات إلى عقوبة الإعدام. وأثار القانون في السنوات الأخيرة جدلًا متكررًا بسبب ملاحقات طاولت شخصيات إعلامية وفنية على خلفية تواصل غير مباشر أو صور أو مقابلات اعتُبرت "تطبيعًا".
ففي يناير 2025، خضعت الصحفية ليال الاختيار للاستجواب في بيروت بسبب مقابلة أجرتها مع المتحدث العسكري الإسرائيلي أفيخاي أدرعي خلال تغطية حرب غزة. كما واجهت الفنانة نانسي عجرم دعاوى قضائية في فبراير 2024 بعد انتشار صور لها مع مدوّن إسرائيلي في قبرص، وهي قضية أعادت فتح نقاش واسع حول حدود القانون ومعايير تطبيقه.
وفي مثال سابق عام 2018، اعتُقل الممثل زياد عيتاني بتهمة "التعاون مع العدو" على خلفية اتهامات بتسريب معلومات لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي، قبل أن تبرئه المحكمة العسكرية لاحقًا. داخليًا، ينقسم المشهد السياسي والشعبي حول القانون. فبينما يرى فريق واسع أن أي تواصل مع إسرائيل يمثّل "خيانة وطنية"، يعتبر آخرون أن التشريع متقادم ويُستخدم أحيانًا لتصفية حسابات سياسية.
وفي هذا السياق، دعا النائب المستقل فؤاد مخزومي إلى تعليق القانون، معتبرًا أنه لم يعد متوافقًا مع مرحلة جديدة تشهدها المنطقة من انفتاح سياسي وتفاوض غير مباشر بين الدولتين. لكن إلغاء القانون أو تعديله يظل مسارًا معقّدًا دستوريًا، إذ يتطلب إقرار قانون جديد عبر البرلمان، سواء باقتراح حكومي أو عبر عشرة نواب على الأقل، على أن يمر باللجان المختصة قبل التصويت العام.
وبحسب مصادر سياسية نقلتها وسائل إعلام محلية، فإن الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام ورئيس البرلمان نبيه بري يرون أن إلغاء القانون في الوقت الراهن غير مطروح نظرًا لحساسية الملف داخليًا وإقليميًا. وأوضح مكتب بري أن "الموقف المبدئي لا يؤيد المفاوضات المباشرة"، مع عدم الاعتراض على المفاوضات غير المباشرة.
ويُعد بري، بصفته رئيس حركة أمل، أحد أبرز الشخصيات الشيعية المتقاطعة مع حزب الله الذي يرفض أي تطبيع مع إسرائيل. وفي تطور لافت، عُقدت جولات من المحادثات المباشرة في واشنطن بين السفيرة اللبنانية لدى الولايات المتحدة ندى حمادة ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر، في أول لقاء رسمي مباشر بين الجانبين منذ نحو أربعة عقود.
وتأتي هذه المحادثات رغم عدم وجود علاقات دبلوماسية بين البلدين اللذين لا يزالان رسميًا في حالة حرب منذ عام 1948. هذا التحول أثار تساؤلات حول التناقض بين انخراط الدولة اللبنانية في مفاوضات مباشرة، واستمرار تجريم أي اتصال فردي أو غير رسمي مع إسرائيل.
