خلف كواليس التنبؤ .. من يصنع توقعات الأسواق؟

لم يعد التنبؤ الاقتصادي مجرد نشاط أكاديمي يقتصر على الجامعات أو دوائر صنع القرار، بل تحوّل خلال العقود الأخيرة إلى صناعة متكاملة بمليارات الدولارات، تشارك فيها مؤسسات دولية وبنوك مركزية ومراكز أبحاث وشركات مالية كبرى. وباتت التوقعات المتعلقة بالنمو الاقتصادي والتضخم وأسعار الفائدة محركًا رئيسيًا لقرارات الاستثمار والسياسات الاقتصادية وحتى في تحركات الأسواق المالية اليومية.
وتظهر حساسية الأسواق للتوقعات بوضوح عند صدور البيانات الاقتصادية الكبرى، فعندما تصدر بيانات التضخم أو الوظائف في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تقارن الأسواق النتائج بالتوقعات التي ينشرها محللو البنوك والمؤسسات المالية. وغالبًا ما تؤدي المفاجآت الاقتصادية إلى تحركات سريعة في أسعار الأسهم والسندات والعملات، وهو ما يعكس الدور الذي تلعبه التوقعات في تشكيل توقعات المستثمرين بشأن قرارات السياسة النقدية لدى الاحتياطي الفيدرالي.
وفي هذا الإطار أكد البروفيسور "لوران فيرارا"، أستاذ الاقتصاد بكلية سكيما للأعمال، في مقابلة مع "أرقام" أن التنبؤ الاقتصادي أصبح اليوم نشاطًا عالميًا يربط بين الأكاديميين والممارسين بأسواق المال، ويعتمد على كميات ضخمة من البيانات ونماذج تحليلية متطورة. وتُعد كلية سيكما للأعمال (SKEMA Business School) إحدى أبرز كليات إدارة الأعمال الفرنسية ذات الطابع الدولي، وقد تأسست عام 2009 نتيجة اندماج مدرستي ESC Lille وCERAM Business School.
ولدى الكلية شبكة من الحرم الجامعية في عدة دول من بينها فرنسا والولايات المتحدة والصين وجنوب أفريقيا، كما تظهر بانتظام في تصنيفات عالمية، من بينها تصنيفات Financial Times لبرامج الإدارة والتمويل.
ويشير "فيرارا"، الذي يشغل أيضًا منصب رئيس المعهد الدولي للمتنبئين، إلى أن التنبؤ لم يعد مقتصرًا على الاقتصاد فقط، بل يشمل مجالات متعددة مثل التمويل والمناخ والرياضة وحتى التنبؤ بالانتخابات، ما يعكس اتساع نطاق استخدام أدوات التحليل التنبئي في العالم المعاصر. وتعكس الأرقام حجم التحول الذي يشهده هذا المجال، إذ تشير تقديرات شركات الأبحاث إلى أن سوق التحليلات التنبئية عالميًا بلغ نحو 18.9 مليار دولار أمريكي في عام 2024.
ومن المتوقع أن يتجاوز 82 مليار دولار بحلول عام 2030 مع تزايد اعتماد الشركات والمؤسسات على البيانات والنماذج الإحصائية في اتخاذ القرار. ويرى فيرارا أن المؤسسات الدولية تمثل الجهات الأكثر تأثيرًا في صياغة التوقعات الاقتصادية العالمية. وأوضح أنه من أبرز هذه المؤسسات صندوق النقد الدولي الذي يصدر تقارير دورية تتضمن توقعات للنمو والتضخم والمؤشرات الاقتصادية لمعظم دول العالم.
ويصدر صندوق النقد الدولي تقاريره الدورية مثل تقرير آفاق الاقتصاد العالمي مرتين سنويًا، ويتضمن توقعات اقتصادية تغطي أكثر من 190 اقتصادًا حول العالم، ما يجعله أحد أكثر مصادر التوقعات الاقتصادية متابعة من قبل الحكومات والمستثمرين. كما تلعب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية دورًا مهمًا في تقديم توقعات اقتصادية للدول المتقدمة، بينما يركز البنك الدولي بدرجة أكبر على الاقتصادات الناشئة والدول منخفضة الدخل.
إلى جانب هذه المؤسسات، تمثل البنوك المركزية أحد أهم مصادر التوقعات الاقتصادية التي تتابعها الأسواق. ويشير فيرارا إلى أن مؤسسات مثل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا وبنك اليابان تنشر توقعاتها الاقتصادية بشكل دوري، وغالبًا ما يكون لهذه التوقعات تأثير مباشر في الأسواق نظرًا لارتباطها بقرارات السياسة النقدية.
ويبلغ عدد البنوك المركزية حول العالم أكثر من 190 بنكًا مركزيًا، ينشر العديد منها توقعات دورية للنمو والتضخم وأسعار الفائدة، وهي توقعات تتابعها الأسواق المالية عن كثب. كما تلعب مراكز الأبحاث الاقتصادية والبنوك الاستثمارية دورًا مهمًا في إنتاج التوقعات التي يتابعها المستثمرون حول العالم.
ويوضح فيرارا أن المؤسسات المالية الكبرى لا تكتفي بتحليل الأسواق، بل تتخذ مراكز استثمارية بناءً على رؤيتها الاقتصادية، ما يمنح توقعاتها وزنًا إضافيًا في الأسواق المالية. في المقابل، يلاحظ فيرارا أن توقعات الحكومات غالبًا ما تحظى بمتابعة أقل من قبل الأسواق، إذ تميل بعض الحكومات إلى تقديم تقديرات متفائلة بشأن أداء اقتصاداتها مقارنة بما يحدث فعليًا.
ويعتمد التنبؤ الاقتصادي بشكل أساسي على تحليل البيانات باستخدام نماذج اقتصادية وإحصائية متقدمة. وفي هذا الصدد يؤكد فيرارا أن البيانات تمثل العنصر الأهم في عملية التنبؤ، حيث يعتمد الاقتصاديون على مجموعة واسعة من المصادر تشمل البيانات الاقتصادية الرسمية وبيانات الأسواق المالية ونتائج استطلاعات الرأي.
وتشمل البيانات التقليدية مؤشرات مثل الإنتاج الصناعي والتجارة والناتج المحلي…
