بعد قرن من الحيرة.. باحثون يحددون نقطة حرجة خفية في الماء فائق التبريد

بعد أكثر من مئة عام من التساؤلات حول سلوك الماء الغريب، أعلن باحثون من جامعة ستوكهولم أنهم رصدوا نقطة حرجة خفية في الماء فائق التبريد، في اكتشاف قد يقدّم تفسيراً موحداً لخصائصه الفيزيائية غير المعتادة مقارنة بمعظم السوائل. الفريق يقول إن النتائج تمثل دليلاً تجريبياً قوياً يدعم فرضية قديمة طالما أُثير حولها الجدل.
اعتمدت الدراسة على وضع الماء في ظروف غير مألوفة: تبريد شديد إلى نحو -63 درجة مئوية مع تطبيق ضغط عالٍ يقارب 1000 ضغط جوي، مع بقائه في الحالة السائلة دون أن يتجمد، وهي حالة تُعرف بالتبريد الفائق. وفي هذه الظروف، لاحظ الباحثون وجود شكلين سائلين متميزين للماء يختلفان في البنية الجزيئية والكثافة.
وباستخدام تقنيات متقدمة تعتمد على نبضات ليزر بالأشعة السينية فائقة السرعة، تمكّن الفريق من تتبع الماء في أجزاء من الثانية قبل تحوله إلى جليد. وأظهرت القياسات أن هذين الشكلين يمكن أن يندمجا عند نقطة محددة تُعرف بالنقطة الحرجة، حيث يتلاشى الفارق بينهما ويتصرف السائل كحالة واحدة.
يكتسب هذا الاكتشاف أهميته لأنه يقدّم إطاراً لتفسير مفارقات الماء المعروفة في الطبيعة. فعلى عكس معظم المواد، يبلغ الماء أعلى كثافة له عند 4 درجات مئوية ثم يبدأ بالتمدد مع مزيد من الانخفاض في الحرارة، وهو ما يفسر طفو الجليد. كما تُظهر خصائص مثل السعة الحرارية والانضغاطية تغيرات غير مألوفة يمكن ربطها بوجود انتقال بين حالتين سائلتين.
وتعود جذور هذه الفكرة إلى أواخر القرن التاسع عشر حين اقترح الفيزيائي الألماني فيلهلم رونتغن أن للماء بنية مزدوجة. وتأتي النتائج الجديدة لتعزز تلك الفرضية ببيانات مباشرة تحت ظروف مضبوطة، وتضع أساساً أقوى لفهم الطبيعة المعقدة لهذا السائل الحيوي.
كما لاحظ الباحثون أن سلوك الماء قرب النقطة الحرجة يتسم بتباطؤ حاد في الحركة الديناميكية يشبه نوعاً من "الاحتجاز"، في تشبيه وصفوه بأنه تأثير شبيه بالثقب الأسود، ما يعكس حساسية النظام الشديدة للتقلبات الدقيقة في الحرارة والضغط عند هذا الحد الفاصل.
ولا تقف تبعات الاكتشاف عند الجانب النظري؛ إذ قد يسهم فهم أدق لسلوك الماء في تحسين نماذج المناخ، وتفسير عمليات حيوية أساسية تعتمد عليه في الكيمياء والبيولوجيا، وربما إلقاء ضوء إضافي على أسئلة مرتبطة ببدايات الحياة. يمثل ذلك خطوة مهمة نحو حل أحد أقدم ألغاز الفيزياء والكيمياء، ويؤكد أن الماء، رغم بساطة تركيبه، ما زال يخفي طبائع أعمق لا تُكشف إلا تحت أقسى الظروف.
