الذكاء الاصطناعي يدعم توسع مبادرة السعودية الخضراء: حقول قمح ونخيل في قلب القصيم

على مشارف الصحراء العربية، يتبدّل مشهد القصيم: صفوف منتظمة من القمح وأشجار النخيل تمتد حيث كان الرمل والرياح يهيمنان، رغم صيف تصل حرارته إلى 45 درجة مئوية وأشهر قد تنعدم فيها الأمطار. في الخلفية، تعمل منظومات رقمية بصمت، من حساسات التربة إلى طبقات البيانات الفضائية، لتقود تجربة زراعية تتقدّم على مهل.
مبادرة السعودية الخضراء، المعلنة تحت مظلة رؤية 2030، تطرح فاتورة قدرها 187 مليار دولار وهدفاً لزراعة 10 مليارات شجرة بحلول 2030. بعيداً عن الشعارات، يتجسّد التنفيذ في بنية تحتية للرصد وإدارة البيانات، ما يمنح المشروع طابعاً مؤسسياً يتراكم أثره بمرور الوقت. تُظهر التجربة أن المكاسب لا تأتي دفعة واحدة.
فاستيعاب التقنيات يحتاج إلى تدرّج: تُرسم الخرائط للظروف المحلية، تُعاير الأنظمة، ويتراكم لدى المزارعين رصيد من المعرفة. هذه التحسينات المتتابعة توحي بمسار ترسيخ مؤسسي أكثر منه قصة قفزة سريعة. تعمل الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي بالتوازي مع مبادرة السعودية الخضراء لتحديد أفضل مواقع الغرس ضمن هدف المليارات العشر.
وتتيح صور الأقمار الصناعية وتقنيات الاستشعار عن بُعد لأنظمة الذكاء الاصطناعي رصد بدايات تدهور الأراضي ونمذجة الأماكن التي تُرجَّح فيها فرص نجاح الاستصلاح. وتكتسب هذه الدقة أهمية خاصة، إذ تُقدَّر خسائر الغلة الزراعية بسبب الملوحة بما يصل إلى 38 في المئة في بعض مناطق المملكة، مع تأثير واضح على التمور ومحاصيل الأعلاف.
الزراعة في أماكن خاطئة أو ري أراضٍ متملّحة يفاقمان المشكلة؛ لذا يصبح اختيار الموقع الصحيح واحداً من أكثر الأدوار حيوية وإن كانت غير لافتة. يتجاوز الأثر حدود الحقول. ففي قمة أطراف اتفاقية مكافحة التصحر (COP16) في الرياض، قدّم المبعوث السعودي للمناخ عادل الجبير تدهور الأراضي بوصفه قضية أمنية أيضاً، قائلاً إن «عندما يعجز الناس عن زراعة الغذاء، يهاجرون».
وبرأيه، تولد هذه الهجرة توتراً وصراعاً في مناطق الاستقبال، في حلقة تمس الأمن الغذائي والوطني والتنوع الحيوي معاً. بهذا المنظور، يصبح الاستصلاح الموجّه بالذكاء الاصطناعي مشروعاً لاستقرار إقليمي أيضاً، وإن لم يتضح بعد مدى استيعاب المجتمع الدولي لهذا البعد. ينفّذ البرنامج عبر خارطة طريق من خمس مراحل بين 2021 و2030، ركزت المراحل الأولى على البناء المؤسسي والمشروعات التجريبية.
وتستهدف المرحلة الثالثة (2026–2027) إدماج تقنيات جديدة تشمل منشآت لالتقاط الكربون وإدارة الطاقة في المدن الذكية. وفي الرياض وجدة تُستخدم بالفعل أنظمة بالذكاء الاصطناعي لتنظيم استهلاك الطاقة وإدارة النفايات، وقد أفيد أن بصماتهما الكربونية الحضرية انخفضت بنحو 40 في المئة مقارنة بنماذج التخطيط الحضري التقليدية.
الطموح هو نقل المنطق نفسه إلى مستوى المزرعة. ثمة انطباع بأن الرهان السعودي يقوم على دور «المتّبع السريع» عبر تبنّي تقنيات طُوّرت في أماكن أخرى ونشرها على نطاق يصعب مجاراته. ويبرز ضمن ذلك برنامج الاقتصاد الدائري للكربون بقيمة 15 مليار دولار، ومشروع الهيدروجين الأخضر في نيوم بقيمة 5 مليارات دولار لإنتاج 650 طناً يومياً من الهيدروجين الخالي من الكربون، إلى جانب أبحاث لالتقاط الكربون مباشرة من الهواء.
مجتمعة، تمثل هذه المبادرات محاولات لتوسيع تطبيق التقنيات في الزراعة والطاقة والبيئة ضمن جدول زمني يمتد حتى 2030. ومع انتقال الخطة إلى مراحلها التالية، سيتحدد الكثير بقدرة الأنظمة الذكية على تحسين القرارات الميدانية، وبمدى نجاح استصلاح الأراضي في خفض الضغوط البيئية والاقتصادية—بخطوات أقل صخباً، لكنها تراكمية الأثر.
