اقتصاد الاشتراكات يتسع: تدفع باستمرار ولا تملك… نموذج أعمال يعيد تعريف الاستهلاك

رسائل خصم متتالية على الهاتف صباح أول الشهر لموسيقى وتخزين سحابي وتطبيق لياقة… مشهد يعكس واقعًا جديدًا: المستهلكون يدفعون بصورة مستمرة لقاء خدمات لا يمتلكونها فعليًا. هكذا ترسخ اقتصاد الاشتراكات، منتقلاً من نموذج التملك إلى نموذج الوصول، ومثيرًا نقاشًا حول ما إذا كان يتحول إلى «استنزاف صامت» لجيوب المستخدمين.
ما بدأ كعرض مغرٍ — دخول منخفض التكلفة إلى مكتبات موسيقى وبرامج كانت تُشترى بمبالغ كبيرة — أزاح تدريجيًا فكرة الملكية. اليوم قد يدفع المستخدم على سنوات مبالغ تفوق ما كان سيدفعه لو اشترى المنتج مرة واحدة. مثال ذلك حزمة التصميم «أدوبي كريتيف كلاود»: بعد أن كانت تراخيص تُشترى وتُستخدم لسنوات، بات المصمم، وفق أسعار 2025/2026، يسدد ما يصل إلى 600 دولار سنويًا (نحو 55 دولارًا شهريًا) للحفاظ على القدرة على فتح ملفاته.
وبمجرد التوقف عن السداد، قد يفقد الوصول إلى أعماله السابقة. تحت السطح، نما اقتصاد ضخم قائم على هذا النموذج. فبحسب بيانات صناعية، بلغت قيمة اقتصاد الاشتراكات عالميًا نحو 492 مليار دولار في 2024. وتختلف التقديرات، إذ تشير تقديرات أخرى إلى أن السوق تجاوز 555 مليار دولار خلال العام الماضي، مع توقعات ببلوغه أكثر من 1.5 تريليون دولار بحلول 2033، وفق «غراند فيو ريسيرش».
وتذهب تقديرات إضافية أبعد، مرجحة أن يصل إلى نحو 722 مليار دولار في 2025 بدفع من الخدمات الرقمية ومنصات البرمجيات ونماذج التجارة الإلكترونية القائمة على الاشتراك، بحسب «جونيبر ريسيرش». بالنسبة للشركات، يفتح الاشتراك بابًا لإيرادات متكررة وقابلة للتنبؤ، ويقلل الاعتماد على إعادة إقناع العميل بالشراء.
لم يعد هذا حكرًا على منصات ناشئة؛ إنه الركيزة التي تسند تقييمات بعض أكبر الشركات. مايكروسوفت، التي انتقلت من بيع تراخيص لمرة واحدة إلى «ماكينة إيرادات متكررة» عبر «مايكروسوفت 365» وخدمات «أزور»، دفعت قيمتها السوقية لتتجاوز عتبة 3 تريليونات دولار. أبل، المعروفة بأجهزتها، تعتمد بشكل متزايد على قطاع الخدمات مثل «آي كلاود»، بهوامش ربح تقترب من 70%، وهي أعلى بكثير من هوامش «آيفون».
أما أدوبي، فتمثل تحولًا كاملاً منذ قرار 2013 بالاعتماد حصريًا على الخدمات السحابية، قافزة بقيمتها السوقية بأكثر من عشرة أضعاف. التحول لم يقتصر على البرمجيات. في قطاع السيارات، بدأت شركات مثل تسلا وبي إم دبليو بيع المركبة كمنصة تُفعَّل عبر اشتراكات دورية: من أنظمة مساعدة السائق والقيادة الذاتية إلى تحسينات الأداء عبر تحديثات برمجية.
بذلك يمتد الاشتراك إلى أصول مادية كانت تُعد شأنًا لمرة واحدة عند الشراء. مع اتساع النموذج، يتزايد الجدل حول حدود «السهولة مقابل الملكية»: وصول مرن ومتجدد من جهة، وكلفة تراكمية وفقدان السيطرة من جهة أخرى. وبينما تشير الأرقام إلى توسع سريع في السنوات المقبلة، يبقى السؤال للمستهلكين: كيف يُعاد التوازن بين الراحة التي يوفرها الاشتراك وحقهم في امتلاك ما يدفعون مقابله؟
