3 خدع ومبدأ جوهري.. الصين التي تصمت اليوم لتنتصر بحروب المستقبل

بكين- "جوهر كلّ حرب هو الخداع؛ لذلك، حين نكون قادرين على الهجوم يجب أن نبدو كأننا عاجزون، وحين نستخدم قواتنا يجب أن نبدو كأننا متراخون، وإذا كنّا قريبين وجب أن نوهم العدو بأننا بعيدون". هذه الأفكار تشكّل ما يمكن أن نسميه "روح" العقيدة العسكرية الصينية التقليدية، مجموعة مبادئ تقوم عليها فلسفة إستراتيجية شاملة للحرب صاغها قبل ما يزيد عن 2500 عام المفكر والقائد العسكري صن تزو في كتابه "فن الحرب".
أما العقيدة الصينية المعاصرة التي تقوم على الإرث الفكري ذاته؛ فهي تعلن تبني وضع إستراتيجي دفاعي يقيّد استخدام القوة المسلحة بضرورات حماية السيادة ووحدة الأراضي. وهكذا يتجسد في العقيدة الصينية اليوم امتداد حديث لأفكار صن تزو: جيش يستعد للحرب كي يمنعها، ويراهن على الردع والمناورة والسيطرة المعلوماتية، أكثر مما يراهن على خوض حروب شاملة مفتوحة.
لقد شهدت العقيدة العسكرية الصينية المعاصرة تحولات عميقة عكست صعود بكين كقوة عالمية تسعى إلى مواءمة قدراتها العسكرية مع طموحاتها الاقتصادية والجيوسياسية المتنامية.
فبعد أن كانت فلسفة الحرب لدى جيش التحرير الشعبي لعقود ترتكز على أفكار ماو تسي تونغ ومفهوم "حرب الشعب" و"الدفاع النشط" داخل المجال القاري، باتت الوثائق الإستراتيجية الصينية تتحدث اليوم عن كسب الحروب "تحت ظروف متقدمة تقنياً" وكذلك "الحروب المعلوماتية" بل وحتى "الحروب الذكية" المعتمدة على الذكاء الاصطناعي مدفوعة برؤية الرئيس الصيني شي جين بينغ "لحلم النهضة العظيمة للأمة الصينية".
تُعرّف الصين عقيدتها العسكرية، كما ورد في الكتاب الأبيض "إستراتيجية الصين العسكرية" لعام 2015، باعتبارها الإطار الناظم لبناء واستخدام جيش التحرير الشعبي في السلم والحرب، ولتخطيط شكل الصراعات المستقبلية وأولويات تطوير القوة. ويُعدّ مبدأ "الدفاع النشط" جوهر هذه العقيدة، أي الجمع بين الدفاع الإستراتيجي والهجوم العملياتي والتكتيكي مع التركيز على عدم المبادرة بالهجوم، والرد الحاسم عند التعرض للهجوم.
كما تُدرج العقيدة ضمن "المبادئ التوجيهية للإستراتيجية العسكرية" أهدافاً زمنية واضحة: تحقيق هدف "جيش من الطراز العالمي" بحلول منتصف القرن، مع محطات أساسية في 2027 ي(مئوية تأسيس الجيش)، و2035 (استكمال التحديث الأساسي)، و2049 (تحويله إلى قوة عالمية كاملة الأركان).
أقرت الصين في "الكتاب الأبيض للدفاع-الدفاع الوطني في العصر الجديد" الصادر عام 2019 بأن شكل الحرب يتجه بسرعة نحو "الحرب المعلوماتية"، وأن "الحرب الذكية" المعتمدة على الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة تلوح في الأفق.
وترافق هذا التحول في المفاهيم مع إصلاحات بنيوية عميقة في الجيش الصيني شملت خفض قوام القوات البرية بنحو 300 ألف جندي، وإعادة توزيع الموارد لصالح قوات أصغر عدداً وأكثر احترافاً، مع توسيع نوعي في قدرات القوات البحرية والجوية وقوة الصواريخ وقوة الدعم الإستراتيجي ذات الطابع السيبراني والفضائي.
وفي هذا السياق، تشير الأبحاث والتقارير الحديثة إلى أن رؤية بكين لدور جيش التحرير الشعبي تجاوزت الإطار التقليدي لحماية الحدود الوطنية، وجعلت منه أداة رئيسة لصون مصالحها الاقتصادية والسياسية الممتدة عبر المحيطين الهندي والهادي وسواهما من المناطق.
ويتجلى هذا التحول في مضامين كتب الدفاع البيضاء، وفي برامج التحديث العسكري التي تضع أهدافاً مرحلية معلنة تمتد حتى عام 2035 وهو العام المقرر لإنجاز المرحلة الأساسية من تحديث القوة البحرية الصينية، ووفق هذه الأدبيات، فإن الانتقال من التركيز الدفاعي المحلّي إلى توجه هجوميّ مع حضور بحري أوسع يعمّق منسوب القلق لدى الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين، ويثير في الوقت نفسه تساؤلات جوهرية بشأن ملامح التوازنات الإستراتيجية في آسيا والنظام الدولي خلال العقود المقبلة.
توضح الدراسات المتخصصة في تطوّر العقيدة العسكرية الصينية -ومن بينها الدارسة الأكاديمية لـ"تايلور فرافيل" بعنوان "الدفاع النشط: الإستراتيجية العسكرية للصين منذ 1949"- أن الصين راجعت توجهاتها وإرشاداتها الإستراتيجية نحو 9 مرات منذ تأسيس الجمهورية، ورغم المحافظة على مفهوم "الدفاع النشط" كإطار جوهري لجميع هذه الإرشادات، لكنها أعادت تفسيره مراراً أيضاً تبعاً للمتغيرات في البيئة الدولية والتطور التكنولوجي وطبيعة التهديدات.
وقد برزت التحولات الكبرى خصوصاً في أعوام 1956 و1980 و1993، حين رأت القيادة الصينية أن "نماذج الحرب في العالم" قد تغيّرت بصورة جوهرية، في حين شكّلت تعديلات 2004 وما بعدها تطويراً تدريجياً ضمن المسار نفسه وفي السياسات المستحدثة مثل "إستراتيجية عقد اللؤلؤ" التي تشير إلى شبكة المنشآت والعلاقات الاقتصادية والتجارية والأمنية الصينية على طول خطوط الاتصال البحرية التي تمتد من البر الرئيس الصيني إلى القرن الأفريقي ، لتأمين خطط ا…
