عندما كانت الصحراء الكبرى خضراء.. هل يتكرر هذا المشهد قريبا؟

تعد الصحراء الكبرى أكبر صحراء حارة في العالم، وإحدى أكثر الأماكن جفافا على وجه الأرض، ففي حين ترتفع درجة حرارة الهواء إلى 40 درجة مئوية، يمكن أن تفوقها حرارة الرمال بنحو 20 درجة مئوية.
من يقضي ليلة في هذه الصحراء قد يميل إلى الاعتقاد بأنها كانت دائما جافة وقاحلة وموحشة وشبه خالية من الحياة، لكن الأمر يبدو مختلفا بالنسبة لمنطقة كانت يوما تزخر بالحياة، وتعج بالبحيرات والحياة البرية، حتى أُطلق عليها اسم "الصحراء الخضراء"، فهل يمكن أن تعود تلك الظروف مرة أخرى؟
في قلب الصحراء الممتدة عبر أراضي أكثر من 10 بلدان من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر، وفي هضبة إنيدي الواقعة شمال شرق تشاد، تحكي مواقع الفن الصخري عن ماض مختلف تماما عن اليوم، فقد عُثر على دلائل على وجود بشري قديم في منطقة لم تكن كما نراها اليوم على الإطلاق. يقول مدير الأبحاث السابق في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي إيف جوتييه: "في الماضي لم تكن الصحراء الكبرى قاحلة هكذا".
ويضيف في حديثه للجزيرة نت: "يرجح أنها كانت أراضي سافانا واسعة مليئة بالمراعي تعبرها قطعان كبيرة من الحيوانات. وانتشرت فيها بحيرات عديدة مليئة بالأسماك، وعاشت حولها مجتمعات شبه بدوية تمارس الرعي والزراعة المبكرة". وتوثق المسوحات الأثرية آلاف النقوش والرسوم على الملاجئ الصخرية وجدران الأودية في إنيدي، مقدمة سجلا تاريخيا طويلا للاستيطان البشري، وتضع حجر الأساس لبناء التسلسل الزمني للاستيطان البشري القديم في منطقة أصبحت اليوم صحراء قاحلة.
ويكشف هذا الفن الصخري عن صورة مختلفة تماما لأكبر صحراء حارة في العالم، حين كانت المنطقة غنية بالمياه والحياة، وشهدت مجتمعات قديمة طورت تدجين الحيوانات وبدايات الزراعة في تلك البيئة الخضراء. واللافت أن كثيرا من أبرز النقوش وأكثرها إتقانا تصور حيوانات ضخمة تعيش اليوم في أفريقيا جنوب الصحراء، مثل الظباء والزرافات والفيلة وأفراس النهر، ما يعكس بيئة كانت تنتشر فيها الأنهار والبحيرات والمروج.
كما تظهر رسومات لحيوان منقرض يُعرف بـ"بوبالوس"، وهو نوع من الأبقار البرية اختفى قبل نحو 5000 عام، وتُستخدم صوره لتأريخ مرحلة مبكرة من الفن الصخري. وعلى نطاق أوسع، توثق هذه الرسوم قطعان الأبقار وأنماط الحياة الرعوية في الصحراء بين نحو 7000 و3000 قبل الميلاد، متماشية مع صعود الرعي عبر شمال إفريقيا.
وغالبا ما يظهر الرعاة مع ماشيتهم في الفترة نفسها التي توضح فيها السجلات البيئية القديمة تزايد الجفاف. لفهم نشأة هذه التكوينات الصخرية الغريبة، لا بد من العودة نصف مليار عام إلى الوراء، حين خرجت كتلة إنيدي من بحر قديم مغطاة بالحجر الرملي. وبعد نحو 300 مليون عام انفصلت أفريقيا عن قارة غوندوانا العملاقة، ثم واصلت انجرافها شمالا عبر ملايين السنين حتى عبرت الأراضي التي أصبحت لاحقا تشاد خط الاستواء.
ويشير عالم الأرض مارتن ويليامز، في كتابه "حين كانت الصحراء خضراء"، إلى أن نشأة الصحراء الكبرى تعود إلى نحو 7 ملايين عام، عندما أدى انحسار بحر التيثيس القديم بين أفريقيا وأوراسيا إلى اضطراب دورات المياه الإقليمية، فبدأ شمال أفريقيا يجف على نطاق واسع.
لكن هذا الجفاف لم يكن دائما، فقد كشف الرحالة الألماني هاينريش بارت في منتصف القرن التاسع عشر -حين كان معظم داخل أفريقيا لا يزال مجهولا للعالم- عن رسوم صخرية تُظهر حيوانات تعيش اليوم في أفريقيا جنوب الصحراء. ولاحقا عُثر على نقوش مماثلة في مناطق واسعة من شمال أفريقيا من جبال الأطلس حتى السهول النوبية.
وفي خمسينيات القرن العشرين وثّق عالم الآثار الفرنسي هنري لوت نحو 15 ألف عمل فني صخري في منطقة طاسيلي ناجر بالجزائر، واصفا إياها بأنها "أعظم متحف لفنون ما قبل التاريخ في العالم". استغرق الأمر عقودا من البحث حتى توصل العلماء إلى أن الصحراء الكبرى شهدت خلال العصر الجيولوجي الحالي، المعروف بالعصر الرباعي، الذي بدأ قبل نحو 2.5 مليون عام، تقلبات متكررة بين فترات رطبة وأخرى جافة، في دورة مناخية طويلة الأمد.
هذه العملية دورية تتكرر عبر الزمن الجيولوجي الطويل. فعندما تتغير الظروف المناخية تتحرك أحزمة الأمطار في غرب أفريقيا شمالا، جالبة المياه والحياة إلى الصحراء فيما يُعرف بظاهرة "الفترة الرطبة الأفريقية" أو "اخضرار الصحراء". وخلال هذه الفترات، اشتدت الرياح الموسمية وامتلأت الأحواض بالبحيرات والأراضي الرطبة، وربطت أنهار عظيمة بين المحيط الأطلسي وسواحل البحر المتوسط في المغرب العربي، بينما جابت الحيوانات الضخمة مراعي واسعة.
وتخلد النقوش الصخرية أحدث هذه المراحل، وهي فترة الهولوسين الرطبة المعروفة بـ "الصحراء الخضراء" التي يُعتقد أنها امتدت بين نحو 11 ألفا و5500 عام، حين كانت بحيرة تشاد أكبر بنحو 20 مرة من مساحتها الحالية. ويتوقع جوتييه أنه "إذا استمرت درجات الحرارة بالارتفاع ك…
