دراسة في الجامعة الأميركية ببيروت تكشف مستويات مقلقة لتلوّث الهواء تتجاوز معايير منظمة الصحة العالمية

تبيّن أن هواء بيروت يحمل جسيمات مضرّة بالصحة تفوق بكثير الحدود التي توصي بها منظمة الصحة العالمية، وفق نتائج أبحاث لفريق من الجامعة الأميركية في بيروت نُشرت هذا العام. الفريق، الذي تقوده الدكتورة نجاة صليبا أستاذة الكيمياء التحليلية والجوية ومديرة مركز حماية الطبيعة من أجل مستقبل مستدام (إبصار)، يدرس نوعية الهواء في العاصمة منذ عام 2001.
وفي عام 2008 أدرجت أعماله ضمن وحدة «نوعية الهواء في لبنان» التي أطلقها المجلس الوطني للبحوث العلمية. ويتلقى الفريق نحو سبعة آلاف دولار سنوياً من المجلس الوطني للبحوث العلمية ومجلس الأبحاث في الجامعة لجمع البيانات حول بيروت بين عامي 2001 و2007 ومواصلة دراسة تلوّث الهواء.
وقالت صليبا إن المنطقة كانت تفتقر إلى بيانات منهجية تمتد لسنوات «لذلك لم يكن لدينا ما نقارنه». وبعد تحليل البيانات المجمّعة، خلص الباحثون إلى أن مستويات الجسيمات الصلبة في الهواء تتجاوز الحدود القصوى المسموح بها.
وأظهرت النتائج أن الجسيمات «الخشنة» التي يتراوح قطرها بين 2.5 و10 ميكرومترات في الهواء الطلق بمناطق حارة حريك وبرج حمود وعبد العزيز وشارع بلس والمنارة قرب الجامعة الأميركية، تبلغ نحو ثلاثة أضعاف المستويات التي تعتمدها منظمة الصحة العالمية. أما الجسيمات «الناعمة» الأصغر من 2.5 ميكرومتر، وهي الأكثر خطورة بحكم قدرتها على النفاذ إلى عمق الجهاز التنفسي، فسُجِّلت لها في بيروت معدلات تعادل ثلاثة إلى أربعة أضعاف المعايير المقبولة.
وأوضحت صليبا أن الجسيمات، بحسب حجمها، قد تتوقف عند مستوى الحنجرة أو المريء أو تنفذ مباشرة إلى الرئتين، مشيرة إلى أن بعض هذه الجسيمات قد تكون مُسرطِنة. وأضافت أن غبار ورش البناء المزدهر في المدينة قد لا يكون بحد ذاته سبباً للسرطان، لكنه يرتبط بزيادة التهابات الشعب الهوائية والحساسية والربو والتهاب الشعب المزمن، مع آثار أكبر على الأطفال.
وتابعت أن الخطر الأكبر على الصحة العامة يأتي من تنامي انبعاثات الكربون مع ازدياد أعداد السيارات وزحمة السير في ساعات الذروة، وهي انبعاثات ثبتت علاقتها بالسرطان. ويُقدَّر أن لبنان استقبل نحو مليون وستمئة ألف سيارة خلال العشرين عاماً الماضية، ومع نمو مبيعات السيارات الجديدة بنحو 5% سنوياً قد تتفاقم المشكلة.
وخلصت أبحاث الفريق أيضاً إلى أن متوسط مستويات الجسيمات الخشنة داخل المنازل أعلى بكثير من الهواء الطلق. ففي أشهر الصيف بلغت المستويات الداخلية في الأحياء المدروسة أحياناً نحو ضعفين ونصف لمعيار منظمة الصحة العالمية، فيما يصل المتوسط في الشتاء، عند إغلاق النوافذ وتشغيل أجهزة التدفئة، إلى خمسة أضعاف الحد المقبول، حتى مع انخفاض المستويات خارجاً.
وفي حالة رُصدت في إحدى الشقق، بلغ التلوّث عشرة أضعاف المستوى المقبول، وقالت صليبا: «في أحد المنازل، قيل إن ثماني نراجيل أُشعلت في الوقت نفسه، وهذا مفجع». وتستعد وحدة الأبحاث النوعية لإجراء دراسات مماثلة في منطقة بيروت الكبرى، أملاً في توفير بيانات موثوقة على مستوى البلاد تمنح صانعي السياسات حافزاً لتعديل الوضع القائم.
وتقول صليبا إن تجارب مدن كبرى تظهر إمكان خفض الانبعاثات: «لسنا بعدد السيارات نفسه في لوس أنجلِس، لكنهم تمكّنوا هناك من الحد من الانبعاثات وخفض مستويات التلوّث. نحن بلد صغير، وإذا كان الآخرون قادرين على احتواء مستويات التلوّث لديهم، فينبغي أن نكون قادرين على القيام بذلك هنا».
