دراسة: ارتفاع الحرارة يترك ندوباً دائمة في اقتصادات 22% من دول العالم

هل الطقس لم يعد كما اعتدناه؟ تقلبات أشد، موجات حر أطول، وجفاف أكثر تواتراً. خلف هذه المظاهر، يتزايد عبء اقتصادي غير مرئي لكنه ملموس: التغير المناخي بات، وفق بحث جديد، يترك آثاراً طويلة الأمد على أداء الاقتصادات حول العالم. تشير دراسة صادرة عن جامعة كاليفورنيا ونشرتها مجلة "إنفيرومنتال ريسيرش ليترز" إلى أن الآثار التراكمية لارتفاع درجات الحرارة تعرقل بالفعل النمو الاقتصادي في ما يقرب من ربع اقتصادات العالم.
وقال برنارد باستيان أولفيرا، المؤلف الرئيسي للدراسة، إن النتائج تظهر اتجاهاً واحداً واضحاً: العديد من الدول تتأثر اقتصادياً على نحو طويل الأمد ومستمر بارتفاع الحرارة. وخلص الفريق إلى أن نحو 22% من دول العالم، ومعظمها منخفضة الدخل وتقع في مناطق أكثر دفئاً، شهدت بالفعل انخفاضاً مرتبطاً بالمناخ في ناتجها المحلي الإجمالي.
حلل الباحثون بيانات اقتصادية وقياسات درجات الحرارة والهطول المطري على مدار 60 عاماً في أكثر من 160 دولة، ووجدوا أن 39 منها سجلت تأثيرات سلبية دائمة على الاقتصاد تُنسب لتغير المناخ. وكانت الظواهر المتطرفة المغذاة بالاحترار، مثل الجفاف وموجات الحر الشديدة، الأكثر تأثيراً في تقليص النمو.
كما رصدت الدراسة دلائل على أن انخفاض إنتاج المحاصيل وإخفاق عمليات التبريد في مراكز البيانات السحابية يمكن أن يتركا أثراً كبيراً ومستداماً على اقتصادات الدول، بما يبطئ النمو بمرور الوقت. وتؤدي الكوارث الطبيعية التي تتفاقم مع ارتفاع الحرارة، مثل الأعاصير وحرائق الغابات، إلى أضرار طويلة الأمد بالبنية التحتية، ما ينعكس على القدرة على الحفاظ على الناتج الاقتصادي.
وقال أولفيرا إن ضرب الإعصار للبنية التحتية قد يُشعر الاقتصاد بالأضرار لأيام أو أسابيع أو حتى سنوات، وهو ما ينعكس في الناتج المحلي. ركزت الدراسة على الظواهر المناخية غير المنتظمة التي تتفاقم بفعل التغير المناخي، وعلى رأسها ظاهرة النينو، وهي ارتفاع في حرارة سطح مياه المحيط الهادئ يحدث كل أربعة إلى 12 عاماً ويمتد عادة بين ثلاثة وسبعة أعوام، ويُحدث تغيرات واسعة في معدلات الهطول ودرجات الحرارة عالمياً.
ووجدت أن النينو، وقد باتت أكثر حدة وتكراراً، يخلق تأثيرات طويلة الأمد على درجات الحرارة ويبطئ النمو الاقتصادي في أجزاء واسعة من العالم. وبينما كانت حرارة عام 2016 الأعلى عالمياً حتى الآن وتزامنت مع نينو قوية، قال علماء مناخ إن العالم قد يسجل رقماً قياسياً جديداً في متوسط الحرارة في عامي 2023 و2024 بفعل التغير المناخي وعودة النينو.
وخلال هذه الظاهرة، تتباطأ الرياح الغربية على طول خط الاستواء وتندفع المياه الدافئة شرقاً، ما يرفع حرارة سطح المحيط. وقال كارلو بونتمبو، مدير خدمة كوبرنيكس لتغير المناخ في الاتحاد الأوروبي، إن النينو ترتبط عادة بدرجات حرارة قياسية على المستوى العالمي، مضيفاً أن حدوث ذلك في 2023 أو 2024 غير معروف بعد، لكنه مرجح للغاية، وأن النماذج المناخية تشير إلى احتمال قوي لوقوع النينو قرب نهاية العام.
وبدوره، قال فريدريك أوتو من معهد جرانثام في إمبريال كوليدج لندن إن درجات الحرارة التي يغذيها النينو قد تزيد من آثار التغير المناخي القائمة بالفعل، مثل موجات الحر الشديدة والجفاف، مضيفاً أنه إذا تطورت النينو فهناك فرصة لأن يكون عام 2023 أكثر حرارة من 2016 بالنظر إلى استمرار ارتفاع حرارة العالم مع استمرار استهلاك الوقود الأحفوري.
تُبرز هذه النتائج أن تكلفة الاحترار لا تقف عند حدود المناخ والبيئة، بل تمتد إلى متغيرات الإنتاج والبنية التحتية وقدرة الاقتصادات، لا سيما الأضعف منها، على التعافي بعد الصدمات. ومع ترقب العلماء لتقلبات النينو الدورية وما قد تحمله من موجات حر وجفاف، يتجدد السؤال حول مدى جاهزية السياسات الاقتصادية والبنية التحتية لتحمل آثار تتراكم بمرور الزمن.
