تغير المناخ يزعزع استقرار أسعار الغذاء عالمياً ودراسات تتوقع تسارع التضخم حتى 2035

تتزايد الضغوط التضخمية على سلال الغذاء حول العالم بفعل تغير المناخ، إذ تدفع درجات الحرارة المرتفعة وموجات الطقس المتطرف الأسعار للصعود في الاقتصادات المرتفعة والمنخفضة الدخل على حد سواء. وبعد أن كان عام 2023 الأعلى حرارة على الإطلاق، قد يتجاوزه العام الحالي مع موجات قيظ بلغت نحو 50 درجة مئوية في الهند وحر شديد في دول أخرى، بينها الولايات المتحدة حيث ارتفع استهلاك الكهرباء في يونيو.
الزراعة هي الأكثر تعرضاً لهذه الصدمات المناخية، ما يهدد إمدادات بعض المحاصيل الأساسية خلال العقد المقبل. وتشمل التأثيرات الجفاف والفيضانات والعواصف التي باتت أكثر تواتراً، إذ أتت الفيضانات في فيتنام عام 2022 على حقول من الأرز. وتُظهر دراسة نشرت في مجلة "كومينيكشنز إيرث أند إنفيرومنت" أن التغيرات في متوسط درجات الحرارة الشهرية ترتبط بقوة وباستمرار بإنتاجية القطاع وبالتضخم.
في الأسواق، قال آدم دافيس، الشريك المؤسس لصندوق التحوط الزراعي العالمي "فارير كابيتال"، إن تغير المناخ ساهم هذا العام في دفع أسعار قائمة طويلة من السلع الزراعية، مشيراً إلى ارتفاع القمح 17% وزيت النخيل 23% والسكر 9%.
وأفاد "إنرجي أند كلايمت إنتلجنس يونيت" بأن ثلث الزيادة في أسعار الغذاء في المملكة المتحدة عام 2023 يعود إلى تغير المناخ، فيما يرى فريدرك نيومان، كبير اقتصاديي آسيا لدى "إتش إس بي سي"، أن التأثير على أسعار الغذاء العالمية كبير.
وتخلص دراسة مشتركة للمركزي الأوروبي و"بوتسدام إنستيتيوت" لأبحاث تأثير المناخ – استندت إلى بيانات تاريخية من 121 دولة بين 1996 و2021 – إلى أن تضخم أسعار الغذاء قد يرتفع بما يصل إلى 3.2% سنوياً خلال العقد المقبل نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، بما قد يضيف ما يصل إلى 1.18% على التضخم السنوي العام بحلول نحو 2035.
وذكر عالم المناخ ماكس كوتز، المؤلف الرئيسي للدراسة، أن صدمات إنتاجية الزراعة هي القناة الرئيسية التي تنتقل عبرها آثار تغير المناخ إلى تضخم الغذاء، مرجحاً استمرار تأثيرات كبيرة في السنوات المقبلة. كما تشير الدراسة إلى أن الدول المرتفعة والمنخفضة الدخل ستتعرض لتضخم مدفوع بالمناخ، مع تأثر أشد في الجنوب العالمي، ولا سيما أفريقيا وأمريكا الجنوبية.
وبيّنت النتائج أن الآثار السعرية الناجمة عن زيادة متوسط الحرارة الشهرية بدرجة مئوية واحدة قد تدوم حتى عام كامل بعد الصدمة الأولى. وخلال صيف 2022 الحار في أوروبا، ارتفع تضخم أسعار الغذاء بنسبة تراوحت بين 0.43% و0.93%، ومن المتوقع بحلول 2035 أن تتضخم تلك النسبة بين 30% و50% وفق مسار الاحترار الحالي.
وتكتسب عملية التقييم الشامل للمخاطر المناخية على التضخم أهمية متزايدة لتوجيه جهود الحكومات والسياسات النقدية. فرغم أن العديد من البنوك المركزية تستبعد أسعار الغذاء والطاقة من قياس التضخم الأساسي لاعتبارها بنوداً متذبذبة، فإن اتساع الضغوط المناخية المستدامة يعيد إحياء الجدل حول وجوب إيلاء هذه الأسعار وزناً أكبر، بل وما إذا كان ينبغي التعامل مع صدمات أسعار الغذاء كما التعامل مع الزيادات العامة عبر رفع الفائدة.
ويشير مارك بوروي، الأستاذ المشارك للاقتصاد بجامعة بواتييه الفرنسية، إلى أن الإجماع التقليدي كان يميل إلى عدم تحرك البنوك المركزية بناءً على تضخم الغذاء لكونه مؤقتاً ومتقلباً، تفادياً لتقلبات حادة في أسعار الفائدة.
