العقل... أثمن ما يملكه الإنسان

لا نعمة في كيان الإنسان أوسع أثرًا ولا أشد خطرًا ولا أعظم تبعة من العقل. فهو الأداة التي يميز بها الإنسان، والميزان الذي يحكم به، والنور الذي يهتدي به في متاهات الحياة وتقلباتها. هذه المكانة المبدئية للعقل ليست توصيفًا بلاغيًا فحسب، بل معيارًا يُقاس به الفعل الإنساني ومسؤولياته.
يرى أبو حامد الغزالي أن العقل أصل العلم ومبدؤه وأساسه، وأن العلم تابع له ومبني عليه. وبمنطقه، لا يستقيم طلب المعرفة ولا يثبت ميزان الحكم من دون عقل مبصر. وإذا أحسن الناس إعمال عقولهم في الميادين التي خُلقت من أجلها، وفكروا تفكيرًا منضبطًا يقوم على أساس سليم، ثم عملوا بمقتضى ما يصلون إليه من نتائج، لسعدوا في دنياهم قبل آخرتهم، ولصلحت شؤونهم الفردية والجماعية.
وعلى هذا النهج، يقول د. عبد الله قادري الأهدل إن مكانة العقل تُعرف من أمور بينها أنه مناط التكليف، وأن غير العاقل لا ينال شرف التكليف من الله تعالى؛ ذلك أن التكليف لا يكون إلا لمن أمكنه علم الحق والعمل به. فالعقل هنا ليس وعاء معرفة فحسب، بل شرط مسؤولية ومجال امتحان.
في ضوء ذلك، يغدو النداء واضحًا: التفكير المنضبط والعمل بنتائجه. فحيثما يُحترم العقل ويُهذب بموازين سليمة، تُسدد الخيارات وتتقلص مساحات التيه، وتقترب المجتمعات والأفراد من صلاحٍ يرجوه الجميع.
